
كان محمد,ص, يميل للتحضر عن البداوة وما كان تحميل الله الرسالة لرسول بهذا الميل إلا إعتراف إلهي بأن الدين لابد أن يحمل في ,معظمه, أخلاق الحضارة. ويجب أن لا ننسى حياة الرسول,ص, في صغره مع البدو وأن هذا إعتراف إلهي آخر بأن التعرض للشيء القليل من البداوة مفيد ولكن الكثير منه قد يفسد. وهكذا كان الرسول,ص, في معظم أخلاقه حضري ولكنه يحمل بعض أخلاق البداوة كاحترام العهد والأمانة. وما كانت تسميته الأمين إلا امتداد لهذه الفكرة حيث الأمانة تكون مستغربة, ولو محببة, في البيئة الحضرية التي كانت عليها مكة. ولو كان الرسول,ص, في بيئة بدوية لما سمي بالأمين لأنها ليست صفة مستغربة أو جديدة في البداوة فالجميع يتصف بالأمانة بنسب متقاربة.
المشكلة الأساسية التي واجهت الإسلام في عهد محمد الرسول هو دخول الكثير من البدو في الإسلام وما التوجيه المطمئِن الإلهي للرسول,ص, بقوله في آخر سورة الفتح ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) إلا تعبير عن قلق الرسول,ص, على الإسلام من الأخلاق البدوية الدخيلة. وما كان وجوب الهجرة في بداية عهد الإسلام إلا محاولة لحل هذه المشكلة عن طريق تحضير البدو.
في رأيي يجوز التعبير عن السلفية أنها الإسلام بلسان بدوي كما التشيع ترجمة للإسلام بلسان حضري والصراع بين السلفية والتشيع ما هو إلا امتداد لهذا الصراع القديم ما بين الحضارة والبداوة. وما كان الرسول,ص, ذائباً في أي منهما بل كان حالة وسطية نادرة ما بين بين أخذت محاسن المجتمعين.
تحويل الخلافة لملك عضود يتلاقفه الأبناء والأحفاد هي فكرة حضرية لا تمد للبداوة بصلة حيث ان شيخ القبيلة لا يورث المشيخة لأبنائه توريث حقيقي بل هو توريث بموافقة أعيان القبيلة حيث لا يوجد ملك. ولا نستغرب أن الشيعة كانوا من أوائل المطالبين بتحويلها ملكا يتناقله أنساب النبي وأحفاده خصوصاً أنهم من البداية كانوا ممثلين للحضارة . فلو لاحظنا أعيان الشيعة المشهورين أمثال سلمان الفارسي, وصهيب الرومي, وعمار بن ياسر نرى أن الخلفية الحضرية تغلب عليهم ولا نستغرب أبدا مطالبتهم أن تكون الخلافة ملك عضود في علي وأبناءه. ولا ندري لو كان الحسن في سن تسمح له بتولي الخلافة في ذلك الوقت هل ستكون هناك أصوات تقول بأحقيته على علي لأنه الأقرب نسباً للرسول أم لا.
نلاحظ بأن نجاح تحويل المطالبة لملك عضود ما كانت إلا في الشام في عهد عثمان, ولا ننسى أن الشام قديمة في الحضارة. لاحظ أيضا أن معاوية قام بتحويل عاصمة الخلافة للشام لأنها الأبعد عن الجزيرة العربية, مرتع البداوة في ذلك الوقت. وتلك عبقرية تحسب لمعاوية. وقد تكون تحويل خلافة علي للكوفة لنفس السبب السابق.
لم تنجح تحويل الخلافة لملك إلا بعد 40 سنة من وفاة الرسول حيث توفي معظم من هاجر وبقي أبناء المهاجرين الذين يقتربون لروح الحضارة أكثر من آبائهم المهاجرين. وقد كان هذا التوقيت وذلك المكان الأنسب لإعلان أن معاوية ملك. خصوصاً أنه بدأ في عهد عثمان بتحويل إعتماده على الجيش البدوي لجيش حضري أقرب للنظامية يملك زمام أموره هو نفسه. والفرق بين الجيشين بأن الجندي البدوي يشهر سيفه لأسباب تختلف جذراً عن الأسباب التي يشهر سيفه لأجلها الجندي الحضري المطيع الذي ينفذ أولاً ولايسأل أبداً ولا يغير ولاءاته بالسرعة التي يغير الجندي البدوي ولاءاته.
كان الحسين يخاطب البدوي في الطرف الآخر عندما كان يطلب منهم نصرته وفاءً بوعهودهم التي قطعوها ولكن الحضري فيهم غلب وكان أنهم قتلوه نصرة للملك, يزيد, وخانوا عهودهم معه وهذه فعلة عظيمة عند البدو ولكنها ليست كذلك عند الحضر. ولا نستغرب أنهم حضراً عندما قتلوا بأمر ملكهم يزيد و أنهم شيعة عندما بكوا الحسين بعد أن قتلوه. إنهم تخلوا عن الحسين لأخلاقهم الحضرية ولذلك يقال أن سيوفهم عليه وقلوبهم معه لأن الحضري فيه هذا الصراع ما بين الإيمان والفعل ويقل هذا الإزدواج كلما غرقت المجتمعات في البداوة.
وقد لا يكون الحضر, أو الشيعة, الحاليين على أي اختلاف عن الذين قتلوا الحسين في ذلك الوقت فالإزدواج هي شيمة الحضري في كل زمان. ولكن الإختلاف هو غرق الحضر الحاليين بالحضارة وانحسار البداوة. وفي الوقت الحالي نرى خط واضح أكثر من قبل وانكماش المنطقة الرمادية ما بين الإثنين التي يمثلها في الأغلب البدو حديثي التحضر وأهالي القرى والمدن القريبة من المناطق البدوية.
لقد عبر الدكتور علي الوردي عن الأخلاق الرمادية بأنها تتصف بمساوئ المجتمعين البدوي والحضري, وقد يكون السبب الرئيسي لهذا التعبير أن الدكتور درس البدو الذين لبسوا الحضارة ولم يطلع على الحضر الذين لبسوا بعض لباس البداوة لقلتهم. وقد يكون السبيل لأخذ محاسن الإثنين هو بناء بعض الأخلاق البدوية على أرض حضرية كما حدث مع الرسول محمد,ص.
وأنا أتمنى ألا يقع الكثير في الخطأ الشائع عند الحديث عن الصراع السلفي الشيعي فهو أولاً وآخراً صراع بين البداوة المتمثلة في السلفية والحضارة المتمثلة بالتشيع وهو الصراع البدوي الحضري القديم غطته الظروف بالإعتقادات المذهبية, وليس صراع بين مذهبين متقابلين كما هو شائع. فحتى لو ترك الإثنين الإيمان من الأساس, والعياذ بالله, لن يتوقف المجتمعان عن التصارع نظراً لقيمهم المتنافرة.